قواعد الدعاية التضليلية للحرب

قواعد الدعاية التضليلية للحرب
عدد القراءات: 147

5
(1)
زمن القراءة:6 دقيقة, 25 ثانية

بقلم ميشيل كولون Michel Collon

كيف غطت وسائل الإعلام الغربية مختلف الحروب التي عقبت حرب الخليج الأولى؟ هل يمكننا أن نحدد بعض الملاحظات المشتركة ؟ هل توجد قواعد لا يمكن تجاوزها “للدعاية التضليلية للحربية”؟ نعم.

القاعدة الأولى : التعتيم على المصالح

تتمثل القاعدة الأساسية للدعاية التضليلية للحرب في التعتيم عن كون الحرب لا تخاض إلا خدمة لمصالح محددة للشركات المتعددة الجنسيات، سواء تعلق الأمر بالتحكم في المواد الأولية الاستراتيجية أو خطوط نقل النفط والغاز، أو بفتح الأسواق  وتحطيم الدول المفرطة في التحرر ، أو تعلق الأمر بكل بلد بإمكانه أن يمثل بديلا للنظام ؛ فالحروب دائما حروب اقتصادية في نهاية المطاف ، وليست إطلاقا إنسانية. غير أن الذي يقال كل مرة للرأي العام هو عكس ذلك تماما.

فلقد تم وقتها تقديم الحرب على العراق باعتبارها حربا من أجل الحث على احترام القانون الدولي . في حين كانت الأهداف الحقيقية ، التي تم التعبير عنها في مختلف وثائق –وليس حتى الداخلية ـ للنظام الأمريكي، كالتالي :

إسقاط نظام كان يدعو الدول العربية إلى الاتحاد من أجل مقاومة إسرائيل  و الولايات المتحدة .

مواصلة على التحكم في كامل نفط الشرق الأوسط .

إقامة قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية التي كانت أصلا مترددة. ومن المفيد والمضحك في نفس الوقت ، إعادة اليوم قراءة التصريحات النبيلة التي أعلنتها وسائل الإعلام الأوروبية حول الدواعي النبيلة لحرب الخليج الأولى.

 لقد تم تقديم مختلف الحروب ضد يوغوسلافيا على أنها حروب إنسانية.في حين أن القوى الغربية ، وحسب وثائقها التي يمكن لأي أحد أن يراجعها، كانت قد قررت تحطيم اقتصاد متحرر أكثر مما يلزم من قبضة الشركات المتعددة الجنسيات ، ويمنح للعاملين حقوقا اجتماعية هامة.

وتمثل الهدف الحقيقي للحرب  في السيطرة على خطوط المواصلات الإستراتيجية في البلقان ( نهر الدانوب ومشروع أنابيب النفط ) والاحتلال الاقتصادي لهذا البلد. واليوم ، تؤكد العديد من المعلومات الواردة من عين المكان ، حالة البؤس المتزايد الذي يعانيه السكان من جراء ذلك. لكن يتم إخفاء كل هذا بعناية واضحة ، عن الرأي العام الدولي ؛ وهذا ما يُفعل كذلك  بالنسبة لمعاناة شعوب مختلف البلاد التي أعيد احتلالها.

فلقد تم تقديم اجتياح أفغانستان على أنه حرب ضد الإرهاب  ، ثم على أنه كفاح  للتحرر الديمقراطي والاجتماعي .في حين ، تكشف هنا كذلك، الوثائق الأمريكية التي يمكن الإطلاع عليها بسهولة ، أن هدف الحرب كان :

بناء أنبوب استراتيجي للنفط يُمكن من التحكم في تزويد كل جنوب آسيا، التي تمثل القارة الحاسمة في الحرب الاقتصادية للقرن 21.

إقامة قواعد عسكرية أمريكية في وسط آسيا .

إضعاف كل المنافسين المحتملين في هذه القارة – روسيا وإيران ، وخاصة الصين – ومنعهم من التحالف.

ويمكننا  أن نحلل بنفس الطريقة كيف يخفون بعناية عنا الرهانات الاقتصادية والاستراتيجية الحقيقية للحروب القائمة والمستقبلية في كولومبيا والكونغو وكوريا ..وغيرها. وبكلمة ، يُمنع على وسائل الإعلام أن تظهر أن كل حرب تخدم دائما مصالح شركات متعددة الجنسيات محددة، وأنها نتاج نظام اقتصادي يفرض حرفيا على الشركات المتعددة الجنسيات الهيمنة على العالم ونهبه لمنع منافسيها من فعل ذلك بدورهم.

القاعدة الثانية : تشويه الصورة

كل حرب كبرى تبدأ بكذبة إعلامية كبرى تهدف إلى  دفع الرأي العام إلى الانحياز وراء حكومته.

– في سنة 1965 ، شنت الولايات المتحدة  الحرب على فيتنام مفترية هجوما فيتناميا، لا أساس له، على بارجتين أمريكيتين (حادثة خليج طونكين Tonkin).

– في سنة 1983 تذرعت الولايات المتحدة  بتهديد إرهابي (في ذلك الحين) يستهدفها، للعدوان على جرانادا Grenade.

– تم سنة 1991 “تبرير” الحرب الأولى على العراق بسرقة مزعومة لحاضنات من مستشفى للولادة بمدينة الكويت. وكانت فرية إعلامية  ضخمة مختلقة تماما، صنعتها الشركة الأمريكية للعلاقات العامة Hill & Knowlton.

– وتم كذلك “تبرير” تدخل الحلف الأطلسي في البوسنة سنة 1995بحكايات مفبركة عن ” معسكرات للإبادة” وعمليات قصف للمدنيين في ساراييفو، اقترفها الصرب. بينما كشفت تحقيقات لاحقة (ظلت سرية) أن الفاعلين كانوا في الواقع حلفاء الحلف الأطلسي.

– وتم “تبرير” الهجوم على يوغوسلافيا سنة  1999 بإخراج آخر : “مذبحة للمدنيين” في مدينة راكاك Racak  بكوسوفو. وفي الواقع كان الأمر يتعلق بقتال بين جيشين ، تسبب فيه انفصاليو جيش تحرير كوسوفو UCK. وهو الجيش الذي كان قادة الولايات المتحدة  ينعتونه بـ ” الإرهابي” في بداية سنة 1998، ثم بـ ” مقاتلي الحرية” بعد ذلك ببضع أشهر.

– أما الحرب على أفغانستان ، فكان الافتراء أقوى مع اعتداءات 11 سبتمبر ؛ تلك الاعتداءات  التي تم خنق كل تحقيق جدي ومستقل بخصوصها ، في حين كان صقور إدارة بوش يسارعون في تمرير المخططات العدوانية، التي وضعت قبل ذلك بزمن طويل ، مستهدفة أفغانستان والعراق وبعض الدول الأخرى.

فكل حرب كبرى تبدأ ببهتان إعلامي ضخم : صور مفزعة تثبت أن الخصم وحش ، وأن علينا أن نتدخل  من أجل “قضية عادلة”. ولكي يؤدي هذا البهتان الإعلامي العظيم دوره على أحسن وجه ، يجب أن تتوفر هذه الجملة من الشروط الضرورية :

صور مروعة ، وحتى مفبركة إذا اقتضى الأمر.

2-   تكرار بث هذه الصور أياما متعددة ، ثم مواصلة ذلك بالتذكير بها  بشكل متواتر.

3-   احتكار وسائل الإعلام وإقصاء رواية المعسكر الآخر.

منع النقد في كل حين إلى  أن يكون أوانه قد فات.

نعت كل من يشكك في هذه الأكاذيب الإعلامية الكبرى بـ “المتواطئ”.

القاعدة الثالثة : عدم استدعاء التاريخ

لقد عملت وسائل الإعلام  الغربية في كل النزاعات التي عرفتها السنوات الأخيرة، على إخفاء المعطيات التاريخية والجغرافية الضرورية لفهم أوضاع المناطق الاستراتيجية المستهدفة. 

ففي سنة 1990 ، وُصف  لنا احتلال الكويت من طرف العراق ( لا يتعلق الأمر هنا بالتبرير أو التحليل) بأنه “اجتياح خارجي”. ولم يُقل لنا أن الكويت كانت على الدوام  إقليما عراقيا ،  لم يفصله المحتل البريطاني إلا في 1916 بهدف إضعاف العراق ومواصلة التحكم في المنطقة ، وأن الدول العربية لم تعترف ولا واحدة منها بهذا “الاستقلال” ، وأن الكويت ليست إلا دمية تمكن الولايات المتحدة   من مصادرة العوائد النفطية.  

وتم في نفس السنة وصف التدخل الغربي في الصومال  بـ “الإنساني” دون الإشارة إلى أن شركات أمريكية كانت قد اشترت في هذا البلد، باطن الأرض الزاخر بالنفط ، وأن واشنطن تتوخى التحكم في منطقة القرن الإفريقي  الاستراتيجية وفي خطوط المواصلات للمحيط الهندي.

وفي سنة 1994 عُرضت علينا المذبحة العرقية برواندا دون الإشارة إلى  تاريخ احتلالها من طرف بلجيكا وفرنسا ، علما بأن هذا الاحتلال هو الذي دبر عمدا النزعة العنصرية بين الهوتو والتوتسي ليتمكن من إثارة الفرقة بينهم.

في سنة 1999 ، قُدمت لنا كوسوفو باعتبارها أرضا اجتاحها الصرب. وتم الحديث عن ” 90 % من الألبان و 10 % من الصرب”. والمسكوت عنه هو التخفيض الهائل لعدد الصرب بسبب الإبادة التي اقترفت في هذه المنطقة إبان الحرب العالمية الثانية ، ثم خلال الإدارة الألبانية لهذا الإقليم (في الثمانينات). ويتم كذلك التعتيم على وجود عدد من الأقليات في كوسوفو (الغجر واليهود والأتراك والمسلمين والغورانيين ، وغيرهم ..). وهي أقليات كان “أصدقاؤنا” من جيش تحرير كوسوفو قد خططوا لتطهيرها عرقيا، وهو ما يقومون به اليوم على مرأى من الحلف الأطلسي  وبمباركته.

والأمثلة في هذا الصدد متعددة ، ولا يخبر بخلفياتها التاريخية ، إن تم الإخبار بذلك، إلا بعد فوات الأوان. وإخفاء البعد  التاريخي يمكن  من منع الجمهور من فهم تاريخ المشاكل المحلية ، ويمكن من تشويه صورة أحد المتصارعين. ويكون دائما ضحية التشويه ، هو الذي يقاوم المرامي الاستعمارية الجديدة للقوى العظمى.

القاعدة الرابعة : تنظيم فقدان الذاكرة

عندما تشن أو تحضر قوة غربية عظمى حربا ،  أليس هذا هو الوقت الذي يجب فيه على الإعلام أن يذكر بالأكاذيب الإعلامية الكبرى للحروب السابقة ؟ ليتعلم كيف يفك رموز المعلومات التي ترسلها القيادات العليا ذات المصلحة الواضحة في الحرب ؟ هل حدث هذا إبان مختلف حروب التسعينات ؟ أبدا. في كل مرة ، توصف الحرب الجديدة بأنها “حرب عادلة” وأكثر نصاعة من سابقاتها ، ويقال أن الوقت غير مناسب لإثارة الشكوك. لكن هل ستؤجل النقاشات إلى  وقت لاحق، أم أنها لن ترى النور أبدا ؟

ولنا الجواب في هذا المثال الواضح : لقد تم مؤخرا ضبط الكذاب الممتاز ألستير كامبيل Alastair Campbell ، رئيس “الاتصال” لتوني بلير في حالة تلبس بجريمة البهتان الإعلامي. ولقد اضطر لتقديم استقالته عندما كشفت الـ بي بي سي BBC أنه زيف المعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل المزعومة. فهل أثار هذا الحدث نقاشا حول سوابق هذا الشخص في هذا المجال ؟  أما كان من المفيد أن نوضح أن كل إعلامنا حول كوسوفو قد تم إعداده من طرف ألستير كامبيل Alastair Campbell بالذات ؟ وأن هذا كان يستدعي مراجعة وإعادة تقييم الإعلام الذي قدم حول الحرب ضد يوغوسلافيا ؟ لم يتم أي شيء من هذا.

هل أعجبك هذا المحتوى؟

اضغط هنا للتقييم

متوسط التقييم 5 / 5. عدد المقيمين 1

كن أول من يقيّم هذا المحتوى


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *