وقفة مع قصيدة : من وحي الهزيمة لبدوي الجبل

وقفة مع قصيدة : من وحي الهزيمة لبدوي الجبل
عدد القراءات: 218

0
(0)
زمن القراءة:4 دقيقة, 28 ثانية

هذه القصيدة الرائعة للشاعر السوري المطبوع ، الذي عُرف ﺑ (بدوي الجبل) واسمه : محمد سليمان الأحمد ، وهو من مواليد قرية ردفة التابعة لمحافظة اللاذقية . اهتم منذ ريعان الشباب بالعمل السياسي ، فكان عضواً في البرلمان السوري لفترات ، وشغل منصب وزير الصحة في خمسينات القرن العشرين ، وحين تغيرت الأوضاع في سوريا ، وبخاصة عقب استيلاء حزب البعث على الحكم عام 1963م ، عرف المنافي وعانى من الحاجة ، وحين وقعت الهزيمة الجريمة في حزيران-يونيو 1967م نظم قصيدته الرائعة (من وحي الهزيمة) فذاعت شهرتها ، حيث كانت تعبيراً فنياً صادقاً عن أسباب تدمير المجتمع السوري ، كما صورت إفرازات النكبة ، مع بيان لسبيل الخروج من الهزيمة إلى النصر .

والقصيدة طويلة ؛ فعدد أبياتها 163 بيتاً ، وسأختار في قراءتي هذه طائفة من الأبيات التي تتناول فظاعة ما فعله، ما يزال يمارسه ، نظام الحكم الاستبدادي القمعي بالعباد والبلاد .

                             

أسباب الهزيمة الجريمة

إن أسباب الهزيمة الجريمة التي نزلت بالأمة في حزيران-يونيو عام 1967م متعددة ، ومنها داخلي وخارجي ، وهذه المصائب جزء مما تطالب بالتحرر منه الثورة السورية التي هبت هذه الأيام تطالب بالحرية .. والكرامةِ .. والعدالة . ونبرز هنا عدداً من الأسباب التي ذكرها بدوي الجبل شعراً ، فتأملها يا قارئي العزيز :

1- تقديم الولاء في قيادة الجيش على الكفاءة :

 لم يُعان الوغى (لواءٌ) ولا عانى                     (فريقٌ) أهوالها و(مشيرُ)
 رُتَبٌ صُنعةُ الدواوين .. ما شارك                   فيها قرُّ الوغى والهجيرُ
    جَبُنَ القادةُ الكبارُ وفرُّوا                                وبكى للفرار جيشٌ جسورُ

فلما انهزم أشباه القادة الذين كبلوا الشعب بالقيود ، كانت النتيجة :

2مصادرة (الخير) ونشر (الرذيلة) :

فكانت نتيجة هذا النهج التدميري مروعة :

الخيام الممّزقات       وأمٌّ                  في  الزوايا  وكِسرةٌ   وحصيرُ
وفتاةٌ أذلّها العري والجوع                 ويلهو  بالرمل   طفلٌ   صغيرُ
كلّما أنّ في الخيام    شريدُ                 خجل القصر والفراشُ الوثيرُ
اَلخيامُ الممَّزقاتُ وأمٌّ
وفتاةٌ أذلَّها الْعُريُ والجوعُ
كلما أَنَّ في الخيام شريدٌ

 في الزوايا وكِسرةٌ وحصيرُ
ويلهو بالرمل طفلٌ صغيرُ
خجل القصرُ والفراشُ الوثيرُ

3تكبيل الأحرار .. وبث روح الخنوع في الأمة :

نحن أسرى ، وحين ضِيمَ حِمانا
كلُّ فردٍ من الرعية عبدٌ
نحن موتى! وشرُّ ما ابتدع الطغيانُ
نحن موتى! وإن غدونا ورُحنا
نحن موتى .. يُسِرُّ جارٌ لجارٍ
 
 كاد يقضي من حزنه المأسورُ
ومن الحكم كلُّ فردٍ أميرُ
موتى على الدروب تسيرُ
والبيوتُ المزوَّقاتُ قبورُ
مسترِيباً : متى يكون النشورُ ؟

4شعارات الخلاص وقيود العبودية :

اشتراكيةٌ ؟! وكَنْزٌ من الدُّرِّ
اشتراكيةٌ ! تعاليمها : الإثراءُ
اشتراكيةٌ ! فإنْ مرَّ طاغٍ
كلُّ وَغْدٍ مُصَعَّرِ الخدِ لا سابورُ
يغضب القاهرُ المسلحُ بالنارِ
 
 وزهوٌ ومِنبرٌ وسريرُ
والظلمُ والخنا والفجورُ
صُفَّ جُندٌ له ودوَّى نفيرُ
في زهوهِ ولا أَزْدَشيرُ
إذا أنَّ أو شكا المقهورُ !

5مصادرة الرأي والتغوُّل الأمني الفظيع :

ورقيبٍ على الخيال .. فهل يسلمُ
عازفٍ عن حقائق الأمر لُؤماً
فيجافي أخٌ أخاهُ ويشقى


 منه المسموعُ والمنظورُ ؟
وكفى أن يُلَفَّقَ التقريرُ
بالجواسيس زائرٌ ومَزورُ

6حكام جهلة جبناء .. لصوص خبثاء :

مِحنةُ الحاكمين جهلٌ ودعوى
نهبوا الشعبَ ، واستباح حِمى المالِ
كيف يغشى الوغى ويظفرُ فيها
 
 جبنٌ فاضحٌ ومجدٌ عثورُ
جنونُ النعيمِ والتبذيرُ
حاكمٌ مُتْرَفٌ وشعبٌ فقيرُ ؟!

7انتشار الحسد والكيد بين سدنة الحكم :

كلُّ فردٍ منهم لقتل أخيه
وغداً يذبحُ الرفيقَ رفيقٌ
يأكل الذئبَ ، حين يردى ، أخوه
 
 يَصدُرُ الرأيُ منه والتدبيرُ
منهمُ والعشيرَ فيهمْ عشيرُ
ويعضُ العقورَ كلبٌ عقورُ

8كيد قوى التسلط العالمية .. وتطويعها للمؤسسات الدولية :

هيئةً للشعوب تُمْعِنُ في الذنبِ
من قوانينها المداراةُ للظلمِ
كلَّ عِلمٍ يغزو النجومَ ويغزو
والحضاراتُ بعضهنَّ بشيرٌ
نُعمياتُ الشعوب شتى ، فنُعمى
 
 ولا توبةٌ ولا تكفيرُ(1)
ومنها التغريبُ والتهجيرُ
بالمنايا الشعوبَ عِلمٌ حقيرُ
يتهادى وبعضهنَّ نذيرُ
حَمِدَتْ ربَّها ونَعمى كفورُ

                             

خاتمة ترسم درب النجاة

ارجعوا للشعوب يا حاكميها
صارحوها .. فقد تبدَّلتِ الدنيا
لا يقودُ الشعوبَ ظلمٌ وفقرٌ
صارحوها .. ولا يُغَطِّ على الصدق
واتقوا ساعةَ الحسابِ إذا دقَّتْ

 لن يُفيدَ التهويلُ والتغريرُ
وجدَّتْ بعد الأمورِ أمورُ
وسِبابُ مكرَّرٌ مسعورُ
ضجيجٌ مزوَّرٌ وهديرُ
فيومُ الحسابِ يومٌ عسيرُ

                                        
كلَّ حكمٍ له -وإن طالت
كل طاغٍ – مهما استبد -ضعيفٌ

 الأيامُ- يومان : أوَّلٌ وأخيرُ
كل شعبٍ- مهما استكان- قديرُ

                                        
يُبْغِضُ الظلمُ ناصحيه ، وإني
يشهد اللهُ ما بقلبيَ حقدٌ
وطِباعي -على ازدحامِ الرزايا-
مسلمٌ .. كلما سجدتُ لربي
لم أهادنْ ظُلماً وتدري الليالي

 لَملومٌ في نصحكم معذورُ
شفَّ قلبي كما يشفُّ الغديرُ
لم ينلْها التبديلُ والتغييرُ
فاح من سجدتي الهدى والعبيرُ
في غدٍ أيُّنا هو المدحورُ

                              

(1) هيئة للشعوب : يقصد الأمم المتحدة التي يسخرها فراعنة العصر لتشريع الاحتلال ، والإذلال ، والاستغلال .

د. صلاح الدين النكدلي

الكاتب

د. صلاح الدين النكدلي

من مواليد 1944م في مدينة حمص – سورية . أقام في اسبانيا مدة خمسة عشر عاماً ، درس خلالها الطب ، ومارس النشاط الدعوي والثقافي ، وكان رئيساً للجمعية الإسلامية في إسبانيا ، ويحمل الجنسية الإسبانية . غادر إسبانية أوائل عام 1984م ، ومنذ ذلك الحين يمارس نشاطاً تربوياً وثقافياً ودعوياً من خلال المركز الإسلامي في آخن ، وهو متفرغ لإدارة المركز منذ عام 1997م ، وكان مديراً لتحرير مجلة الرائد لستة عشر عاماً . نشر مجموعة من الكتب منها : آراء في الدعوة والحركة – قراءة في كتاب نيكسون : انتهزوا الفرصة – الجماعة الإسلامية في باكستان . يرأس إدارة معهد الدراسات الإسلامية منذ تأسيسه عام 2004 .

هل أعجبك هذا المحتوى؟

اضغط هنا للتقييم

متوسط التقييم 0 / 5. عدد المقيمين 0

كن أول من يقيّم هذا المحتوى


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *