مع إصرار النظام السوري على استعمال العسكر وبطشهم ، والإعلام الكاذب المضلل لتغطية أساليبه الوحشية المغرقة في التخلف ، في مواجهة انتفاضة سلمية حضارية إنسانية ضد الظلم والطغيان ، في محاولة مستميتة منه لجر البلد إلى فتنة طائفية مسلحة يبرر من خلالها قمعه غير الإنساني للشعب، نجد أنفسنا مضطرين لإعادة الحكاية إلى أصلها ، حيث لم يكن أحد ينتظر حدوث أية حركة احتجاجية في سورية بالذات ، لأنها بلد “الممانعة” ، وهذا حق طالما أريد به الباطل ، و لأن فئة من السوريين كانوا يحبون رئيسهم ، وهذه حقيقة لاينكرها إلا من لايعرف كرم الشعب السوري وسعة صدره ،لكنها ساعات العسرة والانتفاضة والثورة ، التي فضحت “بشار” – كما يناديه شعبه- ، باعتباره وجه السلطة ، والممثل الوحيد لها ، شاء أم أبى ، فهو إما مسؤول مباشر أو متواطيء راض بما يحدث في بلده .
ومايحدث في سورية أكبر مما يمكن تصوره في بلد مثل سورية بموقعها الجغرافي ، ومكانتها في قلوب سكان المنطقة العربية ، وفي بداية قرن الاتصالات والعولمة ، حيث سقطت كل أوراق التوت التي كان حكامنا يدارون بها عوراتهم ، عقوبات جماعية على الطريقة الإسرائيلية الصربية القذافية – والتي يحاول علي عبد الله صالح محاكاتها في أيامه الاخيرة- ، لشعب أراد الحرية وانتفض على القهر ، وكانت بداية الحكاية من حوران ، لسبب واحد ، هو قيام أجهزة أمن حوران باعتقال أطفال قُصَّر، وتعذيبهم وقلع أظافرهم ، واغتصابهم وتشويههم ، ذلك أنهم حاولوا تقليد مايقوله ويفكر به الكبارمن المحيط إلى الخليج : الشعب يريد إسقاط النظام”!! .. كان الجواب على ثورة حوران من أجل أطفالها الأبرياء ، القمع والبطش ، فترددت أصداء النصرة من دوما إلى القامشلي مرورا بحمص وبانياس واللاذقية، حيث يعرف الجميع هذا النظام حق المعرفة.
هذا هو أصل الحكاية ، لامؤامرات ، ولا أيد أجنبية ، ولا إخوان ولا سلفية ، على الرغم من أن البعض حاول ويحاول القفز إلى عربة الثورة واستغلالها ، كما يحدث في كل الثورات .
صحيح أن النظام السوري حاول القيام متأخرا جدا ببعض الإصلاحات وعمليات التجميل ، ولكنه كغيره من الانظمة التي سقطت أو توشك ، لايمكنه تنفيذ هذه الإصلاحات ، لأن التزامه بالقدر الأدنى منها يعني النهاية المحتومة لحكم الأقلية وعصابة السراق!، وبالضبط كما تَوَزَعَ نفس النظام الأدوار قبل ثلاثين عاما ، مابين “حافظ الطيب” ، وأخيه “رفعت الشرير” ، فإن أجنحة النظام الخفية المعلنة ، وبالموازاة مع إصلاحات “بشارالمحبوب” كانت تقوم بعمليات إجرامية ، من قمع وقهر وقتل و”عفس” للمواطنين ، وهذه الأخيرة مفردةٌ أضافتها الحالة السورية إلى قاموس الثورة الإنسانية التي تشهدها المنطقة ، كما أضاف الدمشقيون من قبل شعارهم الخاص “الشعب السوري مابينذل” ! ، الشعار الذي أوجع هذا النظام المتغول ، فأطلق “شبّيحته” من عقالهم ، يذبحون ويجهزون على الجرحى ويوسعون الأحرار ضربا ورفسا وإهانة!.
ليس صحيحا على الإطلاق أن الشعب لم يرض بالإصلاحات ، ولم يمنح النظام فرصة للمضي فيها ، لكن النظام هو الذي لم يمنح الشعب أية فرصة ولو هامشية للشعور بكرامته .
أصل الحكاية هي أن الشعب السوري – بل والجيل الجديد الذي ولد في ظل هذا النظام – شبع ذلاً، وأنه وصل مرحلة اللاعودة ، وكما يقول السوريون “بايعيينها..بايعيينها” ، و”عليَّ وعلى أعدائي” !، لقد ذاقت سورية ويلات هذا النظام ، وخبرت قدرته على فبركة الأباطيل الغبية، من أجل هذا لايمكنك أن تجد من يصدق شيئا مما يبثه الإعلام السوري ، كما لايمكن لأحد أن يقبل جعجعات أبواقه الذين أرسلهم على الفضائيات يوسعون رجالها ونساءها إهانة وشتما وتهجما ، حالة معروفة لكل سوري ، حتى أولئك الذين مازالوا مكابرين يدّعون أنهم يدعمون النظام ويساندونه ، من الذين استساغوا العيش في ظل العبودية المطلقة ، التي وصلت حدا لايعترف فيه العبيد بعبوديتهم ،لأنهم لم يذوقوا قط طعم الحرية والكرامة ، وكما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والمغرب والأردن ، فإن الأحرار وفي معركتهم الفاصلة مع الطغيان سيصطدمون بمعركة هامشية مع العبيد الذين لايريدون التحرر ، لقد استساغوا القيود البراقة في أعناقهم ، قلادات من مسد !!، ألا في الفتنة سقطوا ، وأي فتنة أشد من فتنة الذل ؟!، ألا فليعلم القاصي والداني أن الشعب السوري كسّر قيوده ، وأعلنها للعالم ، ومهما كان الثمن ، دماء وشهداء ومعاناة وزلزلة :الشعب السوري مابينذل ، الشعب السوري يريد الحياة ..ولابد أن يستجيب القدر.
مرحبًا، هذا تعليق.
للبدء بالإشراف، التحرير، وحذف التعليقات، من فضلك قم بزيارة شاشة التعليقات في لوحة التحكم.
صورة المُعلق تأتي من Gravatar.